الآمدي
138
الاحكام
وأما الوقوع فيستدعي دليلا ، والأصل عدمه ، وما يتخيل من الأدلة الدالة على الوقوع وعدمه ، فمع عدم دلالتها في أنفسها ، متعارضة كما يأتي ، وليس التمسك بالبعض منها أولى من البعض . فإن قيل : الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه لو كان متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة ، لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر تلبسه بتلك الشريعة ومخالطة أهلها ، كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة ، وقد عرفت أحواله قبل البعثة ، ولم ينقل عنه شئ من ذلك . وأيضا فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة ، لافتخر أهل تلك الشريعة بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم . ولم ينقل شئ من ذلك . سلمنا أنه لا دليل يدل على عدم تعبده بشرع من قبله ، ولكن لا نسلم عدم الدليل الدال على تعبده بشرع من قبله . ويدل على ذلك أمران . الأول : أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين ، وكان النبي عليه السلام ، داخلا في ذلك العموم . الثاني : أنه ، عليه السلام ، قبل البعثة كان يصلي ، ويحج ، ويعتمر ويطوف بالبيت ويعظمه ، ويذكي ، ويأكل اللحم ، ويركب البهائم ويستسخرها ، ويتجنب الميتة ، وذلك كله مما لا يرشد إليه العقل ، ولا يحسن بغير الشرع . والجواب عن الاعتراض الأول أنه مقابل ، بأنه لو لم يكن على شريعة من الشرائع ، ولا متعبدا بشئ منها ، لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل تلك الشرائع متلبسون به . واشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله ، ولم ينقل عنه شئ من ذلك ، وليس أحد الامرين أولى من الآخر .